فوزي آل سيف

95

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

الخيانة الزوجية (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[208]. عند الحديث عن الخيانة الزوجية، أول ما يقفز إلى الذهن ما قصته سورة يوسف ولا سيما تلك اللحظة النهائية الت أنهت سلسلة من المقدمات والأجواء التي هيأتها وعبرتها امرأة العزيز الحاكمة في القصر؛ لكي تطلب الخيانة بشكل صريحٍ من نبي الله يوسف عليه السلام. وفي قصة يوسف يلتقي القارئ المتدبر بمعان معبرة للغاية في كل آية، بل في كل كلمة. فإنه يحتاج إلى أن يطلق لفكره القدرة على التخيل، ولعقله التأمل لكي يصل إلى نتائج مهمة! فلاحظ أخي القارئ أختي القارئة؛ أن تلك الخيانة التي أحيطت بسرية تامة، وبمحاولات من الإحكام ألّا يطلع عليها حتى حجاب وحرس القصر، فضلًا عمّن هم خارجه وفضلًا عمن هو خارج ذلك الزمان. فهي – أي امرأة العزيز – هي بنفسها لا بخدمها التي باشرت، وغلَّقت (ولم يقل أغلقت وفي التشديد اللفظي معنى تشديد الاغلاق) الأبواب، ولم يكن بابًا واحدا. مع أن الباب الواحد يكفي في الاستتار، مقتضى الجمع هنا أنها أبواب متعددة؛ احترازا واحتياطا. ثم أعربت بصراحة عن رغبتها. والوضع سري، ولا يوجد أحد ناظر، ولا أحد يعلم. كل ذلك الاحتياط من أجل إتمام العملية بسرية تامة وخفاء كامل.. ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد فضيحة إنسان بخيانة، فلا تقتصر الفضيحة على معرفة الزوج فهذه مرحلة (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) بل انتقل الأمر إلى خارج حتى صار حديث مجالس نساء أهل المدينة: (قَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ)، لا بل عبر ذلك الزمان إلى كل زمان جاء بعده وإلى زماننا الآن، وإلى أن يبقى هذ القرآن. يمر منذ أن وقعت الحادثة إلى زماننا ما يقرب من ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وخلال هذه الفترة فإن مئات الملايين من البشر، عرفوا أن هذه المرأة قد حاولت الخيانة، مع سعيها الشديد في الاستتار. مما يبين أن من يرد الله فضيحته، لا يمكن لأحد أن يستره. لا ليل يستره، ولا زمان يخبئه، ولا باب يحفظه. ولا زمان يتقادم عليه! وبالرغم من أن نتيجتها كانت نتيجة حسنة إلا أن دعوتها للخيانة بقيت رمزًا ثابتًا في التاريخ! في المقابل، النموذج الأبرز في العفة والاعتصام، (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، أحسن هذا الرب مثواي.. فمن هو الرب الذي أحسن مثوى يوسف النبي؟ هنا رأيان؛ ذكرهما المفسرون نشير إليهما، فإن البعض منهم قال: إن يوسف النبي يقصد عزيز مصر فإنه مالكه ومولاه، وقد أحسن مثواه، إذ أوصى زوجته بشدة العناية به، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) وما دام كذلك فلا يناسب أخلاقه أن يخون صاحب النعمة عليه في امرأته وداخل قصره الذي هو بيت أمان له.[209]وشاهد ذلك أنه

--> 208 يوسف: 23 209 وممن ذهب إليه ابن جرير الطبري في تفسيره 16 / 32وابن كثير في تفسيره ٤/‏٣٧٩